النطاق .ly: من المبادرات الفردية إلى الحوكمة المؤسسية.. قصة عصب الإنترنت الليبي
في كل مرة تقوم فيها بالنقر على رابط مختصر مثل bit.ly، فإنك تتقاطع تقنياً مع بنية رقمية تمتد جذورها في شمال إفريقيا. النطاق الوطني الليبي .ly ليس مجرد امتداد إنترنت عادي، بل هو واحد من أكثر النطاقات شهرة واستخداماً في العالم، وقصته تمثل رحلة متكاملة من المبادرات الفردية المبكرة، مروراً بالأزمات، وصولاً إلى النضج المؤسسي والحوكمة الرقمية.
البدايات: التأسيس في عصر ما قبل طفرة الإنترنت
تعود البذور الأولى للنطاق .ly إلى عام 1997، حين تم تفويضه لأول مرة للمهندس خليل الويحيشي (عبر شركة الشاهين لتقنية المعلومات). وفي تلك الحقبة المبكرة التي اعتمدت على الجهود الفردية، انتقلت الإدارة لاحقاً كعهدة مؤقتة للدكتور حسني طيب.
شهد عام 2004 أول انتقال مؤسسي حقيقي للنطاق، حيث تم تحويل إدارته إلى الشركة العامة للبريد والاتصالات السلكية واللاسلكية (GPTC)، وتولى السيد مروان المقهور مهام الاتصال الإداري. وفي العام التالي (2005)، ومع تأسيس الشركة الليبية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات القابضة (LPTIC)، أصبحت شركة “ليبيا للاتصالات والتقنية” (LTT) هي الواجهة الفنية المعتمدة للنطاق.
الطفرة العالمية: ظاهرة الـ “Domain Hacks”
في الوقت الذي كانت فيه البنية التحتية للنطاق تتشكل محلياً، حدثت صدفة لغوية قلبت الموازين عالمياً. في اللغة الإنجليزية، تنتهي الغالبية العظمى من “الظروف” (Adverbs) بالحرفين “ly”. هذا التشابه خلق فرصة ذهبية لما يُعرف بـ “التلاعب بالنطاقات” (Domain Hacks).
تهافتت الشركات التقنية الناشئة على النطاق الليبي لإنشاء أسماء قصيرة وجذابة، وكانت الانطلاقة الكبرى مع ظهور خدمة Bitly لتقصير الروابط عام 2008. فجأة، أصبح النطاق الذي يُدار من طرابلس يعالج مليارات النقرات شهرياً حول العالم، ويدر عوائد اقتصادية جعلته من أغلى النطاقات الوطنية (ccTLDs) تسجيلاً.
اختبار النجاة الأكبر: الإدارة التقنية وقت الأزمات
في عام 2010، تم حل شركة (GPTC)، وتوزعت مهامها. ثم جاء الاختبار الحقيقي لمدى استقرار النطاق خلال أحداث ثورة 2011 وانقسام المشهد السياسي. في تلك الفترة الحرجة، سادت حالة من الترقب في وادي السيليكون؛ فإذا توقفت خوادم .ly، ستنكسر مليارات الروابط.
إلا أن النطاق أثبت صلابة استثنائية. استمرت شركة (LTT) في الحفاظ على العمليات الفنية الدقيقة بكفاءة عالية، بينما استمرت إدارة المهام الإدارية لضمان عدم توقف الخدمة. البنية التحتية الذكية والموزعة جغرافياً حول العالم حمت النطاق من الانهيار، مما زاد من ثقة الشركات العالمية في استقراره التقني رغم التحديات.
عصر الحوكمة والتنظيم: انتقال الإدارة إلى (GACI)
مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في 2021، بدأت مرحلة جديدة من ترتيب البيت الداخلي التقني في ليبيا. في عام 2022، أُسست الهيئة العامة للاتصالات والمعلوماتية (GACI)، وصدر قرار مجلس الوزراء رقم 985 الذي منح الهيئة الصلاحيات الكاملة لإدارة وتنظيم خدمة تسجيل أسماء النطاقات الليبية، ووضع الضوابط التنظيمية، وتحديد الرسوم والسياسات، مع التركيز على تفعيل التسجيل المباشر وتسهيل الإجراءات.
تكللت هذه الجهود في أكتوبر 2025 بصدور التقرير النهائي لنقل إدارة النطاق الأعلى (Top-level domain) رسمياً إلى هيئة (GACI)، ليكون السيد رياض الزيتوني جهة الاتصال الإداري، مع استمرار السيد خالد عشيه من (LTT) كجهة اتصال فنية، لضمان استمرارية التشغيل دون أي تعثر.
الخلاصة: تكاثف المجتمع التقني من أجل مستقبل رقمي
لم يكن انتقال إدارة النطاق وتطوير لوائحه ليحدث بسلاسة لولا التوافق والدعم الواسع من كافة أطياف المجتمع التقني. فقد حظيت هذه الخطوة الاستراتيجية بتأييد القطاع الأكاديمي (كليتي الهندسة وتقنية المعلومات بجامعة طرابلس)، والقطاع الخاص (مثل العنكبوت الليبي)، والداعم الأبرز من مؤسسات المجتمع المدني المتخصصة وعلى رأسها المؤسسة الليبية للتقنية، التي تمثل صوت الخبراء والمختصين في هذا المجال.
اليوم، ومع تنظيم “المنتدى الرقمي الليبي” كمنصة وطنية سنوية تجمع أصحاب المصلحة، يقف النطاق .ly كنموذج ناجح يثبت للعالم أن ليبيا واعية تقنياً ومتصلة رقمياً، وقادرة على إدارة مواردها السيادية الرقمية بأعلى معايير الشفافية والحوكمة العالمية.