المؤسسة الليبية للتقنية تسهم في الحوار العالمي للأمم المتحدة بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي
في خطوة تعزز حضور ليبيا في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل التقنيات الناشئة، شاركت المؤسسة الليبية للتقنية Libyan Technology Foundation – LTF في مسار الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي Global Dialogue on AI Governance التابع للأمم المتحدة، من خلال المشاركة في الجلسات ذات الصلة وتقديم مساهمة مكتوبة ضمن المشاورات العالمية للحوار.
وقد نُشرت مساهمة المؤسسة رسميًا ضمن المساهمات المكتوبة للحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي تحت فئة المجتمع المدني Civil Society وعن منطقة أفريقيا Africa ، برقم المجيب 1155.
وتأتي هذه المشاركة امتدادًا لجهود المؤسسة في مجال الحوكمة الرقمية والسياسات العامة والتقنيات الناشئة، وسعيها إلى نقل وجهات النظر والاحتياجات الليبية والإقليمية إلى المحافل الدولية، ولا سيما ما يتعلق بالدول النامية والمجتمعات التي لا تزال محدودة التمثيل في النقاشات العالمية حول الذكاء الاصطناعي.
وتنطلق المؤسسة في مساهمتها من مبدأ أساسي يتمثل في أن الدول النامية لا ينبغي أن تكون مجرد مستهلك للتقنيات والنماذج والسياسات التي يتم تطويرها خارج سياقاتها، بل شريكًا فاعلًا في صياغة المبادئ والمعايير والسياسات التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي وآليات استخدامه وحوكمته.
حوكمة عملية وشاملة وقابلة للتنفيذ
أكدت المؤسسة في مساهمتها أن نجاح الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي يجب ألا يقتصر على إصدار بيانات أو مبادئ عامة، بل ينبغي أن يقاس بقدرته على الوصول إلى نتائج عملية وشاملة وقابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، دعت المؤسسة إلى بناء منصة عالمية موثوقة تتيح مشاركة فعلية للحكومات والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع التقني والشباب، مع إعطاء اهتمام خاص للدول النامية والمناطق محدودة التمثيل.
كما أكدت الحاجة إلى تحديد أولويات دولية واضحة في مجالات السلامة، والشفافية، والمساءلة، وحوكمة البيانات، وحقوق الإنسان، والشمول، وبناء القدرات، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة والتنمية.
وترى المؤسسة كذلك أن الحوار ينبغي أن يربط بين المبادرات العالمية والإقليمية والوطنية، وأن يساعد على الحد من ازدواجية الجهود، مع مواءمة السياسات الوطنية مع الأطر الدولية القائمة، بما يشمل أهداف التنمية المستدامة، ومخرجات القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS)، ومبادئ حقوق الإنسان.
ويشمل ذلك أيضًا إنشاء آليات واضحة لبناء قدرات الدول التي لا تزال تفتقر إلى الإمكانات القانونية والتقنية والمؤسسية والتنظيمية اللازمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تطوير السياسات، وتقييم المخاطر، وتعزيز جاهزية القطاع العام، والبنية التحتية الرقمية، ومحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
أربع أولويات لحوكمة الذكاء الاصطناعي
حددت المؤسسة الليبية للتقنية أربعة مجالات ترى أنها تتطلب أولوية في العمل والمشاركة الدولية:
- بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي.
- الذكاء الاصطناعي الآمن والمأمون والجدير بالثقة.
- حماية حقوق الإنسان وتعزيزها.
- الشفافية والمساءلة والإشراف البشري.
وترتبط هذه الأولويات بطبيعة عمل المؤسسة في مجالات التكنولوجيا والسياسات العامة والتحول الرقمي والتوعية العامة وحوكمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأمن السيبراني وتعزيز المشاركة الشاملة.
كما تعكس جانبًا من الاحتياجات الحالية لليبيا، وفي مقدمتها بناء القدرات المؤسسية، وتحسين الجاهزية الرقمية، وتعزيز التبني المسؤول للذكاء الاصطناعي، وحماية الحقوق، وضمان مشاركة الدول النامية في منظومة الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
جاهزية الدول النامية في قلب النقاش
سلطت مساهمة المؤسسة الضوء على الجاهزية الوطنية لحوكمة الذكاء الاصطناعي في الدول النامية باعتبارها إحدى القضايا الأساسية التي تتقاطع مع معظم ملفات الحوكمة.
فالعديد من الدول لا تزال تواجه فجوات في القدرات القانونية والمؤسسية والتقنية، إلى جانب تحديات في حوكمة البيانات، والأمن السيبراني، والبنية التحتية، وجاهزية القطاع العام.
كما أشارت المؤسسة إلى مخاطر الاعتماد المفرط على منصات الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية ومجموعات البيانات والخدمات السحابية الخارجية، وما قد يترتب على ذلك من آثار مرتبطة بـالسيادة الرقمية والابتكار المحلي.
وفي السياق نفسه، أكدت أهمية تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي متعددة اللغات ومراعية للسياقات المحلية، بما يضمن تمثيل اللغات والمجتمعات محدودة الحضور في النماذج والأنظمة التقنية، وعدم اقتصار تطوير الذكاء الاصطناعي على احتياجات الأسواق العالمية الأكثر حضورًا.
تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي في ليبيا
تناولت المساهمة كذلك مجموعة من التحديات المرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي في ليبيا والمنطقة، وفي مقدمتها الجاهزية المؤسسية.
فغياب السياسات الواضحة للذكاء الاصطناعي، وأطر حوكمة البيانات، وإجراءات تقييم المخاطر، والمعايير التقنية، وآليات المساءلة الداخلية، يمكن أن يحد من قدرة المؤسسات العامة والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص على تبني الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة وشاملة وفعالة.
وتشكل الفجوة الرقمية تحديًا إضافيًا، في ظل تفاوت الوصول إلى الاتصال الموثوق والبنية التحتية الرقمية والخدمات السحابية وموارد البيانات والمهارات التقنية المتقدمة.
كما ترتبط الحوكمة الضعيفة بمخاطر أخرى، تشمل المعلومات المضللة، وانتهاكات الخصوصية، والتحيز الخوارزمي، والتهديدات السيبرانية، وإساءة استخدام البيانات الشخصية، ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي دون مستويات كافية من الشفافية والرقابة.
وفي المقابل، ترى المؤسسة أن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا مهمة لليبيا، من بينها تحسين تقديم الخدمات العامة، ورفع الكفاءة الإدارية، وتعزيز أدوات مكافحة الفساد، وتطوير قدرات الأمن السيبراني، وتوسيع الوصول إلى التعليم والتدريب، وخلق فرص جديدة للشباب والشركات الناشئة والمنظومة التقنية المحلية.
ربط الجهود الوطنية بالمنظومة الدولية
دعت المؤسسة إلى أن يعمل الحوار العالمي كمنصة محايدة لتنسيق الأولويات وتبادل الممارسات الجيدة وربط الجهود الوطنية والإقليمية والدولية في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي.
كما أكدت أهمية البناء على المبادرات والآليات الدولية القائمة، ومن بينها القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS)، ومنتدى حوكمة الإنترنت (IGF) ، وتوصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومبادرات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) ، والميثاق الرقمي العالمي Global Digital Compact ، إلى جانب الاستراتيجيات الإقليمية للذكاء الاصطناعي والعمليات الوطنية متعددة أصحاب المصلحة.
وتكمن القيمة المضافة للحوار، وفق رؤية المؤسسة، في الحد من تشتت المبادرات، وتعزيز التنسيق بينها، وتحويل المبادئ الدولية إلى تعاون عملي وبناء للقدرات وآليات واضحة للمتابعة.
مشاركة أوسع لأصحاب المصلحة
ركزت المساهمة أيضًا على أهمية اعتماد نموذج متعدد أصحاب المصلحة في حوكمة الذكاء الاصطناعي.
فالحكومات تسهم في تحديد الأولويات والسياسات والاحتياجات التنظيمية، بينما يطرح المجتمع المدني قضايا الحقوق والشمول والمساءلة، وتوفر الأوساط الأكاديمية الأدلة والأبحاث، ويسهم القطاع الخاص بالخبرة التقنية وممارسات النشر المسؤول، في حين يؤدي المجتمع التقني دورًا أساسيًا في المعايير والسلامة والأمن السيبراني وقابلية التشغيل البيني.
وشددت المؤسسة بصورة خاصة على ضرورة تعزيز مشاركة الدول النامية، والمجتمعات المتأثرة بالنزاعات والهشاشة، والمجتمع المدني، والشباب، والمجتمعات التقنية المحلية، والأوساط الأكاديمية، والنساء، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمتحدثين باللغات محدودة التمثيل.
ومن بين الوسائل المقترحة لتحقيق ذلك: المشاركة الهجينة، والمشاورات الإقليمية، والترجمة، والدعوات المفتوحة لتقديم المساهمات، إلى جانب منح أصحاب المصلحة غير الحكوميين أدوارًا واضحة ومنظمة في عمليات الحوار والمتابعة.
من الحوار إلى التعاون العملي
اقترحت المؤسسة تطوير صيغ المشاركة بحيث تتجاوز الاجتماعات التقليدية، من خلال مختبرات السياسات الإقليمية، والموائد المستديرة متعددة أصحاب المصلحة، وتجمعات الشباب والمجتمع المدني، وتمارين سيناريوهات مخاطر الذكاء الاصطناعي، ودراسات الحالات العملية، ومجموعات العمل الموضوعية الموجهة نحو التنفيذ.
كما دعت إلى الاستفادة من المنصات الرقمية للمشاورات، بما يسمح لأصحاب المصلحة بتقديم الأولويات والتعليق على مسودات النتائج ومتابعة التنفيذ.
ومن شأن الجلسات التقنية المختصرة، وربط المؤسسات بالخبراء والشركاء، وتبادل الخبرات بين النظراء، أن يسهم في تحويل الحوار من حدث دوري إلى منظومة مستمرة للتعاون ونقل المعرفة وبناء القدرات.
تجربة المؤسسة الليبية للتقنية في الحوكمة الرقمية
قدمت المؤسسة ضمن مساهمتها نماذج من عملها الوطني في دعم الحوكمة العملية للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، من خلال الحوار متعدد أصحاب المصلحة، ومراجعة السياسات، والتوعية العامة، وبناء القدرات.
وتشمل هذه الممارسات منتدى حوكمة المعلوماتية باعتباره منصة وطنية للنقاش حول الحوكمة الرقمية، ومساهمات المؤسسة المتعلقة بـالاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030 والميثاق الوطني للذكاء الاصطناعي، إلى جانب أنشطة التوعية في إطار اليوم الوطني لتقنية المعلومات، والعمل المرتبط بحوكمة المنصات الرقمية والأمن السيبراني والتحول الرقمي المؤسسي.
وتسهم هذه الممارسات في ربط المبادئ العالمية بالسياق المحلي، وجمع الجهات الحكومية والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والخبراء التقنيين والقطاع الخاص حول قضايا التبني المسؤول للذكاء الاصطناعي، والثقة، والشمول، والمساءلة، والجاهزية الوطنية.
نحو حضور ليبي فاعل في حوكمة الذكاء الاصطناعي
تمثل مساهمة المؤسسة في الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي جزءًا من توجه أوسع نحو تعزيز الحضور الليبي في منظومة السياسات والحوكمة الرقمية الدولية وربط الاحتياجات الوطنية بالنقاشات والمعايير والمبادرات العالمية.
وتؤكد المؤسسة من خلال هذا التوجه أن حوكمة الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا تُصاغ في عدد محدود من المراكز التقنية والسياسية ثم تُنقل نتائجها إلى بقية العالم، بل أن تكون عملية عالمية تشارك فيها الدول النامية ومؤسسات المجتمع المدني والمجتمعات التقنية بصورة مبكرة وفاعلة في تحديد الأولويات وصياغة الحلول.
ومن هذا المنطلق، تدعو المؤسسة إلى نموذج لحوكمة الذكاء الاصطناعي يوازن بين الابتكار والمسؤولية، والاستفادة من التكنولوجيا وحماية الحقوق، والانفتاح العالمي وبناء القدرات الوطنية، بما يعزز دور ليبيا وأفريقيا والدول النامية في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي والمشاركة الفاعلة في بناء قواعده ومعاييره.

